بعد الفيضان والدمار..الطينطان مدينة تنتظر الإعمار(تقرير مصور)

بينما كان سكان مدينة الطينطان ينعمون بموسم خريف جيد، إذ فاجأتهم أمطار طوفانية شهر أغشت 2007 لم تشهد المنطقة لها مثيلا منذ أمد بعيد، فُتحت أبواب السماء بماء مُنهمر، وتفجرت الأرض عيونا فالتقى الماء على أرض الطينطان، وأقلعت السماء عن واقع مأساوي بكل المقاييس، لم تكن الخسائر البشرية بحجم الكارثة، فقد سُجلت حالات وفاة قليلة، لكن الخسائر المادية والاقتصادية والاجتماعية كبيرة، وكبيرة جدا.

سارعت الحكومة إلى إطلاق نداء استغاثة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مدينة يبلغ عدد سكانها حينها ستين ألف نسمة، وتُعتبر العاصمة الاقتصادية لولاية الحوض الغربي، لم تتأخر استجابة الدول الصديقة لموريتانيا والمنظمات الإنسانية الدولية، وتم تأسيس مؤسسة عمومية تُدعى "مؤسسة إعادة تأهيل وتجديد الطينطان"، واستقبلت الحكومة أموالا طائلة من دول خليجية وغيرها، فضلا عن مساعدات عينية مباشرة، كما رصدت الدولة مبالغ كبيرة لتحقيق الهدف ذاته(إعمار مدينة الطينطان)، وتوقع كثيرون أن تتحول المحنة التي واجهت الطينطان إلى منحة، والكارثة إلى فرصة، وتتحول الطينطان بعد أشهر أو سنتين على الأكثر إلى مدينة عصرية حديثة تنبض بالحياة، تماما مثل مدن في دول أخرى تعرضت لحروب أو كوارث طبيعية وتمت إعادة إعمارها فبدت أجمل مما كانت.

في هذا التقرير الخاص، يتتبع موفد (موقع الوسط) خيوط حُلم إعمار مدينة الطينطان، ليرصد ما الذي تحقق فعليا على الأرض، كما يتتبع آثار ذلك الفيضان المدمر، والذي لا زالت آثاره ومخلفاته ماثلة في أحياء المدينة، كما يتحدث الموفد مع بعض السكان المحليين الذين عايشوا الكارثة وواكبوا جهود الإعمار لرصد انطباعاتهم وأخذ شهاداتهم.

للوقوف على حقيقة الصورة كاملة دون رتوش، ورصد الحاضر، والوقوقف على الماضي، قمنا بجولة في أطلال مدينة الطينطان القديمة (قبل الفيضان) والمدينة الجديدة التي شُيدت جميع المباني فيها بعد الفيضان، وتظهر الصور بقايا أسواق كانت تعج بالحركة والنشاط التجاري، وأطلال مبان هجرها ساكنوها فجأة مُرغمين لا تزال ماثلة وشاهدة على حجم الكارثة من جهة، وحجم الإعمار الذي كان قائما قبلها من جهة ثانية، ولم تستطع كل الجهود الرسمية حتى الآن -رغم ضخامة التمويلات- إعادة المدينة إلى سابق عهدها.

وفي المقابل، تبدو على كثيب رملي فسيح معالم مدينة حديثة قيد التشكل تحاول أن تقاوم الرمال مثلما تقاوم رفض المواطنين ترك مناطقهم الأصلية المهددة بالغرق، وبجولة في المدينة الجديدة يلاحظ الزائر تشييد مبان حكومية حديثة، هي مقرات الدوائر الحكومية في المقاطعة، ومباني ممثليات البنوك التجارية وشركات الاتصال، وإنجاز شبكة طرق حديثة تمتد لعشرات الكيلمترات بملتقيات طرق متعددة، وتفوق هذه الشبكة الطرقية ما هو موجود في معظم عواصم الولايات الأخرى، وجميع عواصم المقاطعات (باستثناء انواكشوط) وعلى امتداد الكثيب الرملي تصادفك منازل حديثة وعمارات وشقق متناثرة، بل وفنادق، تتجاور جنبا إلى جنب مع الأعرشة التقليدية التي يتخذها المواطنون هنا سكنا رئيسا لهم، لكن هذه المدينة الحديثة تنمو ببطء شديد، فرغم ما وفرت الدولة من قطع أرضية مُستصلحة وطرق معبدة وكهرباء وإنارة عمونية وغيرها من الخدمات، فإن الكثير  من السكان يرفضون مغادرة منازلهم في الأحياء القديمة المهددة بالغرق، وبالتالي أحجمت الدولة عن توفير الخدمات العمومية بالمستوى الموجود في المدينة الجديدة، وباتت تلك الأحياء تعيش واقعا مزريا أبعدما يكون من الإعمار، ومن أبرز هذه الأحياء حي البونية.

والخلاصة التي يستنتجها المتجول في الطينطان هي أن هناك "طينطانان"-إذا جاز التعبير- مدينة محطمة بفعل كارثة الفيضان، وتحتاج إلى "إعمار" ومدينة حديثة آخذة في التشكل تحتاج إلى "تعمير" بالسكان، لكن الأكيد أن كلا الأمرين لم يحدث بعد، فلا الإعمار حصل بالحجم المطلوب والمفترض، ولا تعمير المدينة الجديدة بالساكنة حصل كذلك، لكن الأمل لا يزال قائما طالما أن "مؤسسة إعادة تأهيل وتجديد مدينة الطينطان" لا تزال موجودة وتستقبل التمويلات، فأي واقع تعيشه هذه المؤسسة، وماذا  أنجزت فعلا، وما خططها المستقبلية، وكيف ترد على من يتهمها بالتقصير والفشل، بل وحتى بالاختلاس؟؟.

أسئلة حملناها إلى مقر المؤسسة الذي اختير له مكان يتوسط المدينتين، (المدمرة، والجديدة) لكن مع وصولنا مقر المؤسسة تفاجأنا بأن الإعمار الذي ينتظره سكان الطينطان لا يزال داخل المؤسسة، فهي أكثر احتياجا إليه، فالأبواب والنوافذ مخلوعة، والبلاط قيد الإنجاز، والمقاعد والمكاتب متناثرة ومبعثرة، والمدير غائب، فقط وحدهم عمال "الإعمار" هم الموجودون بالمكان، يسابقون الزمن لتأهيل وتجهيز وتجديد مقر المؤسسة، بعد أن عزَ حصول ذلك لمدينة انتظرته خمس عشرة سنة.

سألنا عن المسؤول أو المدير، فحاول العمال في البداية القيام بدوره، لكن عندما واجهناهم بأسئلة لا قِبل لهم بالإجابة عنها اضطروا للاتصال بالمدير الذي أخبرنا عبر الهاتف أنه سيرسل لنا كل المعلومات والإجابات عن الأسئلة التي طرحنا، حددنا معه مهلة لاستلام ردوده لأننا لا نريد تغييب وجهة نظر أي طرف معني، إلا أن السيد المدير لم يزودنا بما لديه من معلومات في الوقت المحدد.

..............

في الأول من شهر ديسمبر سنة 2007 صادق مجلس الوزراء الموريتاني على إنشاء مؤسسة عمومية ذات طابع إداري تدعى"مؤسسة إعادة تأهيل وتجديد مدينة الطينطان"، وحسب بيان حكومي فإن المؤسسة الوليدة ستكون مسؤولة عن جمع التمويلات من الممولين الخارجيين، وتنسيق جهود الحكومة الخاصة بإعادة إعمار مدينة الطينطان، وفي يوم إنشاء هذه المؤسسة، نشرت وكالة الأنباء السعودية برقية ذكرت فيها أن العاهل السعودي الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز كان قد أمر بمنح موريتانيا مبلغ  عشرين مليون دولار لإعادة إعمار مدينة الطينطان وقد تم ذلك بالفعل.

وفي يوم الثلاثاء 10 اكتوبر سنة 2010 وقع في انواكشوط مدير مؤسسة إعادة تأهيل وتجديد مدينة الطينطان موسى كي مع نائب مدير عام الإدارة الفنية بالصندوق السعودي للتنمية على اتفاق يقضي بإشراف الصندوق السعودي على إعادة إعمار مدينة الطينطان، وعلى مدى سنين عمرها ال15 ظلت هذه المؤسسة مثار جدل لا ينتهي، كانت قُبة البرلمان، وصفحات الصحافة والمدونين ساحات له، قبل أن يظهر نهاية شهر فبراير 2021 تسجيل صوتي منسوب لمهندس سعودي يتحدث عن أساليب الغش والتدليس وسوء الإدارة الذي طبع عمل هذه المؤسسة التي تعاقب على رئاستها عديد الأشخاص، بعضهم تقلد لاحقا منصب الوزير الأول.

نشير في الأخير إلى أننا قابلنا العديد من سكان مدينة الطينطان، وأجمعوا على أن واقع مدينتهم أبعدما يكون عن المأمول والمتوقع، فخدمات الماء والكهرباء، والصحة، والتعليم في تدن مستمر، أما الحديث عن الإعمار فبات مُتجاوزا هنا، نريد فقط أن تتوفر لنا مقومات الحياة الأساسية في حدها الأدنى- يقول مَن تحدثنا معهم بعد أن فضلوا عدم التصوير-، وتبقى هذه المدينة وواقعها الحالي لغزا محيرا، فما تم جمعه من تمويلات خارجية، وما رصدته الدولة على مدى سنوات من أموال عمومية لإعادة إعمار المدينة كفيل بتحويلها إلى مدينة عصرية لا مثيل لها في البلد -كما يقول بعض من تحدثوا إلينا-، لكن البحث عن مصير تلك التمويلات واقتفاء أثرها قد يبدو مهمة أصعب من إعمار المدينة.

PLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMITPLG_ITPSOCIALBUTTONS_SUBMIT

أضف تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع


زيارة النعمة